عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

289

اللباب في علوم الكتاب

هاء السّكت نحو مجيء « مه » ، وإن كانت مجرورة بحرف فالاختيار اللحاق ، والفرق أن الحرف يمتزج بما يدخل عليه فتقوى به الاستفهامية ، بخلاف الاسم المضاف إليها ، فإنه في نيّة الانفصال ، وهذا الوقف إنما يجوز ابتداء ، أو بقطع نفس ، ولا جرم أن بعضهم منع الوقف على هذا النحو قال : « إنه إن وقف بغير هاء كان خطأ ؛ لنقصان الحرف ، وإن وقف بها خالف السّواد » . لكن البزي قد وقف بالهاء ، ومثل ذلك لا يعد مخالفة للسّواد ، ألا ترى إلى إثباتهم بعض ياءات الزوائد . والجار متعلق بقوله : « تَقْتُلُونَ » ، ولكنه قدّم عليه وجوبا ؛ لأن مجروره له صدر الكلام ، والفاء وما بعدها من « تقتلون » في محلّ جزم ، وتقتلون - وإن كان بصيغة المضارع ، فهو في معنى الماضي [ لفهم المعنى ] « 1 » ، وأيضا فمعه قوله : « مِنْ قَبْلُ » [ وأيضا فإن الأنبياء - عليهم السلام - إنما كانوا في ذلك الزمان ، وأيضا فالحاضرون لم يفعلوا ذلك ولا يتأتى لهم قتل الماضين ] « 2 » ، وجاز إسناد القتل إليهم وإن لم يتعاطوه ؛ لأنهم لما كانوا راضين بفعل أسلافهم جعلوا كأنهم فعلوا هم أنفسهم . فإن قيل : كيف جاز قوله : « فَلِمَ تَقْتُلُونَ » من قبل ، ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصّفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك . قال اللّه تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [ البقرة : 102 ] ولم يقل : ما تلت الشياطين ؛ لأنه أراد من شأنها التلاوة . والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم مؤمنين بالتوراة ؟ قال بعضهم : جاء « تقتلون » بلفظ الاستقبال ، وهو بمعنى المضيّ لما ارتفع الإشكال بقوله : « مِنْ قَبْلُ » وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل وبالعكس . قال الحطيئة : [ الكامل ] 666 - شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه * أنّ الوليد أحقّ بالعذر « 3 » شهد بمعنى يشهد .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر ديوانه : ص 179 ، لسان العرب ( حسب ) ، سر صناعة الإعراب : 1 / 398 ، مجالس ثعلب : ص 456 .